نشيد الأناشيد - الأصحاح الثالث

الأنبا يؤانس أسقف الغربية المتنيح, Friday 10 February 2012 - 19:02:00


الأصحاح الثالث
"فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي. أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ الْحَقْلِ، أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ" (نش 3 : 1 – 5).
يمكن تفسير هذا الحديث من وجهتين: حديث الكنيسة لعريسها المسيح، وحديث النفس البشرية كعضو في هذه الكنيسة..
بالنسبة للكنيسة:


منذ ارتفع المسيح على الصليب، طلبته الكنيسة ثلاث مرات ولم تجده الا في المرة الأخيرة.
(1) في المرة الاولى "فى الليل".
(2) لعل ذلك إشارة الى الظلمة التي غطت الأرض لحظات الصليب من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة (مت 27 : 45 – 52).. تحول النهار إلى ليل. وكأن التلاميذ قد عمَّهم الظلام فكرياً فلم يستطيعوا أن يدركوا أسرار الروح حتى أن اثنين منهم وهما تلميذا عمواس قالا في شك "كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدى إسرائيل".
(3) في المرة الثانية ليلاً " أيضا"..
لم تكن العروس على فراشها بل كانت تطوف المدينة في الأسواق والشوارع – وهذا إشارة إلى تلاميذ الرب بعد دفنه ودخولهم العلية وتحول وقتهم كله إلى ليل. كانت الأبواب والنوافذ مغلقة. لقد حاولوا أن يسترجعوا قوتهم ويقوموا يبحثون عنه في المدينة في الأسواق والشوارع. لقد كان الوقت سبتاً ولم يذوقوا طعم الراحة.
*عند القبر الفارغ – خرجت مريم المجدلية فجر الأحد والظلام باق، ولم تبال بالسير في الشوارع والأسواق حتى وصلت القبر – وكأنها خرجت نيابة عن الكنيسة حزينة القلب وسألت الملاك بدموع عمن تحبه نفسها. وما جاوزته قليلاً حتى رأت الرب والتصقت به. لقد أمسكت به أولاً، لكنها إذ أرادت أن تبقى هكذا سألها أن تسرع وتخبر التلاميذ أن يلتقوا به في الجليل.. وكأن القديسة مريم دخلت به الى الكنيسة بيت أمها وحجرة من حبلت بها.
أما حديث الكنيسة فهو "أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقل ألا تيقظن الحبيب حتى يشاء".. إنه حديث عتاب مملوء حباً موجه من الكنيسة المسيحية إلى جماعة اليهود ورؤساء كهنتهم الذين سخروا بالعريس على الصليب وقالوا "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ... إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ" (مت 27 : 40 - 42).. وكأن الكنيسة بعد أن دخلت إلى قيامته عادت تقول لبنات أورشليم لماذا كنتن تستعجلن العريس أن يقوم. أسألكن بحق الأنبياء (الظباء وأيائل الحقل) أن تتركن إياه ليقوم في اليوم الثالث حيث شاء. إن كان قد رقد على الصليب فراجعن النبوات واذكرن أنه يقوم متى يشاء!!
بالنسبة للنفس البشرية:


إن أمر ربنا الصريح هو "اُطْلُبُوا تَجِدُوا.. وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ" (مت 7 : 7 - 8، غير أن الأمر كان على النقيض مع العروس فإنها طلبت حبيبها فلم تجده، أما السبب، فلأنها طلبته وهى على فراشها، أعنى طلبته في حالة تراخى وفتور ونوم روحى "تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ" (يع 4 : 3).. لذلك يقول: "اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف 5 : 14).
إن النفس البشرية في بحثها عن المسيح قد تطلبه بثلاث طرق لكنها لا تجده الا في الطريق الأخير:
(أ) تطلبه بمجهودها الذاتى.
(ب) تطلبه خلال الخدام وحدهم.
(ج) أخيراً تطلبه بثقة في قدرة عمل الله فيها دون تجاهل لجهادها ولخدمة العاملين في كرمه.
(أ) المرحلة الأولى طلبته على فراشها – إنه يمثل وقت ضعفها وتراخيها.
(ب) المرحلة الثانية خرجت النفس من ذاتها إذ تركت فراشها قائلة "أقوم" ودخلت المدينة تبحث عن عريسها. خرج أغسطينوس إلى الأسواق بالبحث عن الله يطلبه في كتب الفلاسفة، وإلى الشوارع بالبحث عنه في الطبيعة، لكنه لم يجد الله. إذ لغباوته خرج يطلب الله خارج نفسه، مع أن الله كان في داخله عميقاً أعمق من عمقه وعالياً أعلى من علوه.
(ج) في المرحلة الثالثة بحثت عنه خلال الحراس الذين هم خدام الكلمة وفى هذه المرة أيضاً لا تقدر بعريسها إلا بعد أن تجاوزتهم قليلاً. فالخدام يسندون النفس لكنهم لا يقدرون أن يدخلوا بها إليه إلا بعمله هو. فهو وحده الذي يجتذب القلب نحوه.. حقاً إن الكهنة ملتزمون بالحراسة لكن "إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس" (مز 127 : 1).. "فَمَنْ هُوَ بُولُسُ. وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ... أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي" (1كو 3 : 5 ، 6).
مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ (مساحيق) التَّاجِرِ" (نش 3 : 6).
من هذه الطالعة من البرية coming out of the wilderness. من المتكلم؟
+ إما العريس نفسه الذي يسندها ويشجعها، مؤكداً لها أنه يراها طالعة..
+ وإما السمائيين الذين تطلعوا إلى البشر الترابيين وقد انفتح أمامهم باب الفردوس..
+ وإما بنات أورشليم اللائى كن قبلاً يعيرن كنيسة الأمم بسوادها بسبب عدم انتسابها للآباء واألنبياء لأنها من الأمم، لكنها تظهر الآن خلال اتحادها بالمسيا المخلص جميلة وبهية تصعد من مجد إلى مجد.
إن هذه الطالعة من البرية رمز للنفس البشرية الطالعة من برية العالم.. والبرية ليست غريبة على شعب الله فقد تاه فيها قديما مدة 40 عاماً – تمتعوا فيها بمحبة الله وعنايته، ولكنهم في نفس الوقت تدربوا. فقد تعرضوا للدغات الحيات القاتلة بسبب عصيانهم وتذمرهم.. أما الآن فقد اتحد المؤمنون بالمسيح الذي يخرج بالنفس من برية العالم إلى حرية مجد أولاد الله.. يقول ذهبى الفم "نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الارض، نصعد الآن الى ملكوت السموات، وندخل السموات. ونأخذ مكاننا أمام العرش الالهى".



this content item is from St Mercurius and St Abraam Coptic Orthodox Church
( http://saintabraam.org/new/e107_plugins/content/content.php?content.14 )