مصباح النبوة - 4

القس كيرلس واسيلى, Friday 10 February 2012 - 18:46:00


إسحـق:
نتابع معاً رحلة مصباح النور الذى هو العلاقة الشخصية بالله مما يجعل الله يتكلم ويتحرك من خلاله هذا الشخص فيضئ بضياء الله فى وسط هذا العالم المظلم.
+ رأينا فى المقال السابق قمة إعلان النور من فوق جبل المريا حيث أعلن الله من خلال إبراهيم مدى حب الآب للعالم "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ (لأجلنا) (يو 3 : 16).
+ واليوم من فوق نفس الجبل ومن على المذبح الذى قُدم عليه الابن الوحيد المحبوب إسحق يستلم اسحق مصباح النور من الله ليحمله عوضاً عن إبراهيم أبيه. ولكن الشئ المبدع هنا أن اسحق يتسلم مصباح النور من على مذبح موته بعد أن أتم الطاعة الكاملة لأبيه إبرهيم.
+ وهكذا المسيح النور الحقيقى أعلن حب الآب للبشرية كلها من على صليب موته بعد أن أتم الطاعة الكاملة لله الآب.
+ ويكاد يكون هذا قانون إلهى كيف يُحمِّل الله أى واحد منا مصباح النور لابد أن يكون من على الصليب وبعد أن يُتمم الطاعة الكاملة لله.
+ بعد أن رجع إسحق حياً من على جبل المريا حاملاً نور الله فى حياته اهتم أبوه إبراهيم أولاً أن يزوجه. تماماً كما قام المسيح حياً من بعد جبل الجلجثة وواهب جسده للكنيسة العروس المفتداه.
+ ولكن يا ترى ماهى مميزات العروس المختارة لابن الموعد التى سوف تكون شريكة فى مصباح النور.. هى أولاً عذراء "لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ" (2كو 11 : 2). بمعنى ليس لها علاقة بعالم الجسد الميت.
ثم إنها من نفس عشيرة إبراهيم أى نفس الإيمان بالله. ثم إنها تحمل نفس صفات الأب إبراهيم من إضافة الغرباء والاهتمام بهم.
+ ما أروع هذا اللقاء لإسحق مع رفقة المختارة زوجة له بتدخل من السماء، كان هذا اللقاء أولاً على ماء بِئْرَ لَحَيْ رُئِي. تماماً كأول لقاء لنا مع الرب على ماء المعمودية واتحادنا به.
+ كيف قبلت رفقة أن تذهب مع رجل غريب إلى أرض لا تعرفها لتتزوج برجل لم تره من قبل وتعيش فى أرض غريبة باقى أيام حياتها وأن تفارق أهلها إلى الأبد؟!!
+ هذا هو سر النور الذى يقود النفس إلى الحق لعريسها السماوى يسوع المسيح، يقودها حتى إلى الصليب.
+ آية من نور توضح لنا كيف سلم إبراهيم مصباح النور الإلهى لإسحق ابنه "وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ" (تك 25 : 5). هذا النور الذى حصل عليه بغربة كاملة عن الأهل والعشيرة والترحال المستمر. وبالطاعة الكاملة والدخول فى التجارب والضيقات والرؤى المتعددة لله والخبرة الشخصية مع الله بل والصداقة الحميمة مع الله.
+ كل هذا النور سلمه لابنه إسحق.. يا ليت هذا يكون حال كل أب وأم. يكوِّن علاقة نور مع المسيح فى حياته من طاعة كاملة لوصايا الرب واحتمال تجارب وضيقات من أجل اسم المسيح. ثم يسلم هذا النور لابنه.
+ أعرف إنساناً قديساً تقياً جداً محباً للفقراء والعطاء.. أعرفه شخصياً لأن ابنه صديق عمر لى. كان هذا الأب أول من اهتم بالفقراء فى كنيستنا فى مصر. وكان يخدم الفقراء من كل قلبه بكل محبة. كان يعمل فى الحكومة ويكد ويحصل على قوت أسرته وعلى قوت لهذا الكم من الفقراء. وكان ابنه هذا صغيراً وكان الأب محبوب بجنون من كل فقراء المنطقة. وفجأة وبلا أى مرض توفى هذا الأب التقى الطيب القلب. وحضرت جنازته، وكان أول جناز أحضره فى حياتى لأشارك صديقى هذا فى ألمه الذى لم يحضر بسبب صغر سنه ولكنى حضرت هذا الجناز المهيب. وكانت الكنيسة ممتلئة بشكل فوق العادة وكل الحاضرين من فقراء المنطقة.
مرت الأيام والسنين وكبرنا صديقى هذا وأنا. وحدث أمر عجيب جداً أن صفات هذا الأب التقى ورثها صديقى هذا من محبة ومحنَّة وخدمة للفقراء بشكل فريد تماماً كما تكلمنا عن مصباح النور.. هكذا حمل صديقى هذا نفس المصباح. وكان صديقى هذا يخدم الفقراء بمحبة وبذل منقطع النظير وكان متخصص فى خدمة المرضى الفقراء الذين أهملهم المجتمع لانعدام الأمل فى شفاءهم. حتى الكنيسة لم تعد تعرف عنهم شيئاً لأنهم أصبحوا عديمى الحيلة. وفى ذات يوم وهو يخدم إحدى السيدات التى كانت مطروحة فى أرضية الحجرة وهى فى منتهى المرض والفقر إذ بالسيدة العذراء مريم تمد يد الشفاء لها. وتقوم هذه الفقيرة الوحيدة من مرض الموت بكامل الصحة. وكانت السيدة العذراء تظهر لها.. هكذا حكى لى صديقى هذا ابن ذلك الأب التقى المتوفى وفى ذات يوم وصديقى هذا كان يزور هذه المسكينة التى شفيت بيد أمنا العذراء قالت له إن السيدة العذراء تظهر لها وأنها طلبت من العذراء أن تعلمها كيف تخدم الفقراء كرد جميل لما فعلته معها العذراء.
وقالت لصديقى إن العذراء قالت لها اذهبى إلى المكان الفلانى وسوف تقابلى شخص وهو سوف يعلمك كيفية خدمة الفقراء. وفعلاً تقابلت هذه السيدة مع هذا الشخص بضعة مرات وبعدها بدأت تخدم الفقراء مع صديقى هذا. وفى ذات يوم طلب صديقى من هذه السيدة أن تقابله فى بيته لكى يذهبوا معاً لخدمة الفقراء فى المنطقة القريبة من بيته. وفعلاً حضرت إلى بيت صديقى وفتحت لها أم صديقى وأجلستها فى صالون البيت. وفى الصالون كانت هناك صورة لوالد صديقى. ولما حضر صديقى لمقابلة هذه السيدة سألته من هو صاحب هذه الصورة فسألها لماذا تسألين. فقالت له هذا هو الشخص الذى عرفتنى به أمنا العذراء لكى يعلمنى كيف أخدم الفقراء. فأجابها قائلاً هذا هو أبى وقد تنيح منذ أكثر من عشرين عاماً.
هذه قصة واقعية حدثت فى أيامنا تحقق لنا كيفية توريث مصباح النور بمنتهى التلقائية.
+ نرجع إلى أبونا إسحق وريث مصباح النور الذى أعد الله له زوجة بطريقة اعجازية عند بئر ماء. تماماً كمثال المسيح الذى اتحد بنا عند ماء المعمودية المقدسة.
+ ثم أيضاً حينما صلى إسحق بدالة أبوة لدى الله لأجل امرأته رفقة لأنها كانت عاقراً فاستجاب له الرب "الذى يسمع ويستجيب لخائفيه" فحبلت رفقة وولدت يعقوب وعيسو. وكانت لحياة إسحق السائر فى ضياء مصباح النور أن يؤهل لرؤية الله الذى ظهر له وقال له: "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ، وَأُبَارِكُكَ وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي" (تك 26 : 24).
+ هنا الله يورث بنفسه البركة لإسحق بسبب إبراهيم خليل الله. نحن نعرف قيمة الوراثة الجسدية من أب كدَّ وتعب وكنز لابنه ميراث أرضى (يفنى ويضمحل) أما الآن فينكشف أمام عيوننا قيمة وعظمة ميراث النور الواقع أيضاً عاتقه على الأب.
+ ولما دنت حياة أبونا إسحق من النهاية سلم مصباح النور لابنه يعقوب بالرغم من أنه ليس البكر ولكنه المختار من الله.
وسوف نرى فى العدد القادم كيف انتقل مصباح نور الله من إسحق إلى يعقوب.



this content item is from St Mercurius and St Abraam Coptic Orthodox Church
( http://saintabraam.org/new/e107_plugins/content/content.php?content.9 )